على مدى أشهر، بدا وكأن المسافة التي تفصل نهاد ملحم عن العالم الخارجي تبدأ عند عتبة منزلها.
بعد خضوعها لعملية جراحية لعلاج سرطان القولون، اضطرت نهاد إلى التعايش مع فغر دائم للقولون. ومنذ ذلك الحين، تحولت أبسط الأنشطة اليومية إلى مصدر للقلق. فمغادرة المنزل كانت تعني الخوف المستمر من تسرّب الكيس أو انبعاث روائح غير مرغوب فيها أو الإصابة بتهيّج جلدي أو عدوى. وفي ظل غياب الإرشاد الكافي، بدا لها حتى تبديل كيس فغر القولون مهمة صعبة ومقلقة.
وزادت كلفة المستلزمات الطبية من معاناتها. فبسبب عدم قدرتها على شراء أكياس جديدة بصورة منتظمة، كانت تضطر أحياناً إلى استخدام الكيس نفسه مدة تتجاوز الفترة الموصى بها، ما كان يزيد احتمال شعورها بعدم الراحة وتعرّضها للمضاعفات. وهكذا، تحوّل ما بدأ بوصفه تحدياً صحياً إلى معاناة طالت مختلف جوانب حياتها.
قوّض الخوف ثقتها بنفسها. بدأت تتجنب الأماكن العامة، وأصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الآخرين، ثم انسحبت تدريجياً من محيطها الاجتماعي. تسلّل العزل إلى تفاصيل حياتها اليومية، مصحوباً بشعور مؤلم بأنها فقدت السيطرة على جسدها وحياتها.
بدأ التحول عندما لجأت نهاد إلى بلدية الشياح طلباً للدعم.
أحالت عاملة اجتماعية حالتها إلى الفريق المعني بدعم كبار السن، ثم زارتها عاملة ميدانية في منزلها لتقييم وضعها وفهم احتياجاتها. وبعدما تبيّن للفريق أن حالتها تستدعي تدخلاً عاجلاً، أُحيل ملفها فوراً إلى الفريق الطبي.
وفي اليوم نفسه، زارها طبيب وممرضة في منزلها.
عاينا حالتها، واستبدلا كيس فغر القولون، وشرعا في تدريبها على كيفية الاعتناء بالفغرة بطريقة آمنة. وشرحا لها كل خطوة بالتفصيل: كيفية تبديل الكيس، والمحافظة على النظافة، وحماية الجلد المحيط بالفغرة، والتعرّف إلى العلامات التحذيرية التي تستوجب تدخلاً طبياً.
لم تكن تلك الزيارة تدخلاً عابراً، بل شكّلت بداية لمسار متواصل من الرعاية والمتابعة.
بدأت ممرضة بزيارة نهاد مرتين أسبوعياً لتبديل كيس فغر القولون، فيما كانت القاعدة اللاصقة تُستبدل مرة واحدة في الأسبوع. كما حصلت نهاد على دعم نفسي اجتماعي فردي لمساعدتها على التعامل مع القلق والشعور بالخجل والعزلة التي أعقبت عمليتها الجراحية. ولتعزيز قدرتها على الحركة، زُوّدت بعصا ثلاثية القوائم ساعدتها على التنقل بأمان أكبر والاعتماد بدرجة أقل على الآخرين.
حدث التغيير تدريجياً، لكنه كان عميقاً. خففت الزيارات التمريضية المنتظمة من خوفها من المضاعفات، وساعدتها الإرشادات العملية على فهم كيفية التعامل مع فغر القولون وإدارته بثقة أكبر. أما الدعم النفسي، فوفّر لها مساحة آمنة للتحدث بصراحة عن تجربة جعلتها تشعر بوحدة قاسية.
ومنحتها العصا شيئاً لا يقل أهمية: القدرة على الحركة بمزيد من الاستقلالية.
تقول نهاد: «قبل أن أتلقى هذا الدعم، كنت أشعر بالخوف والخجل والوحدة التامة. لم أكن أعرف كيف أعتني بفغر القولون، ولم أكن قادرة على تحمّل كلفة الأكياس التي أحتاج إليها. أما اليوم، فأشعر بمزيد من الأمان والثقة، لأنني أعلم أن هناك من يتابع حالتي الصحية ويستمع إليّ».
بالنسبة إلى نهاد، كان وجود من يصغي إليها لا يقل أهمية عن الرعاية الطبية نفسها.
وتضيف: «ساعدتني الرعاية التمريضية والدعم النفسي والعصا على استعادة كرامتي واستقلاليتي. والأهم أنني لم أعد أشعر بأنني متروكة أو بأنني عبء على عائلتي».
لا يمكن قياس تعافي نهاد بالمؤشرات الطبية وحدها، بل يظهر أيضاً في الثقة التي استعادتها، والمخاوف التي بدأت تتغلب عليها، والقرارات اليومية التي أصبحت قادرة مجدداً على اتخاذها بنفسها.
تأمل نهاد اليوم في مواصلة تحسين قدرتها على الحركة، والتعامل مع فغر القولون بمزيد من الثقة والاستقلالية، والعودة تدريجياً إلى المشاركة في الحياة العائلية والمجتمعية. وهدفها بسيط في ظاهره، لكنه بالغ الأهمية: الحفاظ على ما أحرزته من تقدم، ومواصلة حياتها بكرامة وطمأنينة.
تُظهر تجربة نهاد ما يمكن أن تحققه الرعاية المتمحورة حول الإنسان عندما تجمع بين العناية الطبية والدعم النفسي الاجتماعي والإرشاد العملي والمتابعة المنتظمة. وبالنسبة إليها، لم تقتصر أهمية هذا الدعم على تلبية حاجة صحية عاجلة، بل ساعدها أيضاً على استعادة أجزاء من حياتها كان الخوف قد أغلق أبوابها أمامها.
شكر وتقدير
بدعم من كاريتاس ألمانيا، تواصل مؤسسة عامل الدولية تقديم خدمات صحية ونفسية اجتماعية واجتماعية متكاملة للأشخاص الذين يعيشون في أوضاع هشّة، بما يساعدهم على حماية صحتهم، واستعادة استقلاليتهم، والعيش بكرامة.
رخصة المشاع الإبداعي المنسوبة 4.0 الدولية