مهنا: من فلسطين إلى لبنان، أخطر ما يمكن أن نسمح به هو أن تصبح الجريمة أمراً عادياً وأن يتحول الصمت إلى شريك فيها
في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، وما يرافقه من سقوط ضحايا مدنيين وتدمير وتهجير واستهداف للبنى التحتية ومقومات الحياة، وصل إلى لبنان وفد من لجنة «كي لا ننسى صبرا وشاتيلا وحق العودة»، في زيارة تضامنية تكتسب هذا العام دلالة خاصة، إذ تتجاوز إحياء الذاكرة التاريخية للمجزرة إلى التعبير عن التضامن المباشر مع الشعب اللبناني في واحدة من أكثر المراحل قسوة وخطورة.
وضم الوفد عشرات المدافعين عن القضية الفلسطينية والناشطين في اللجنة الإيطالية، ومن بينهم مسؤول اللجنة فلافيو نوفارا وبسام صالح. وأكد أعضاء الوفد، بإصرارهم على الحضور إلى لبنان ومواصلة الزيارة السنوية التي دأبت اللجنة على تنظيمها، أن التضامن يكتسب معناه الأعمق في أوقات الأزمات، وأن الوفاء لضحايا صبرا وشاتيلا يرتبط أيضاً بالدفاع عن المدنيين وحقوق الإنسان ورفض الاحتلال والتهجير والانتهاكات الجسيمة، من فلسطين إلى لبنان.
وفي إطار جولته، زار الوفد مركز مؤسسة عامل الدولية الصحي التنموي الاجتماعي في دورس – بعلبك، الذي يعمل بالتعاون مع بلدية دورس ومؤسسة ميريّو ووزارة الصحة العامة ومحافظة بعلبك الهرمل. واطلع أعضاء الوفد على البرامج الصحية والاجتماعية والتنموية التي يقدمها المركز، وعلى دور «عامل» في الاستجابة لاحتياجات السكان والنازحين والفئات الأكثر تهميشاً، ولا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان.
ومن المقرر أن تشمل جولة الوفد عدداً من مراكز مؤسسة عامل ومواقع عملها، بما يتيح لأعضائه الاطلاع مباشرة على أوضاع المجتمعات المحلية والاحتياجات الإنسانية المتزايدة، وعلى الجهود التي تبذلها الطواقم الصحية والاجتماعية والإنسانية لمساندة السكان وتعزيز قدرتهم على الصمود.
وكان في استقبال الوفد الدكتور كامل مهنا، رئيس مؤسسة عامل الدولية والمنسق العام لتجمع الهيئات الأهلية التطوعية في لبنان والعالم العربي؛ ورئيس بلدية دورس مارون نجم ونائبه شوقي الطفيلي؛ وشفيق شحادة، الرئيس السابق لاتحاد بلديات بعلبك الهرمل؛ إلى جانب عدد من الفعاليات المحلية وأعضاء الهيئة الإدارية في مؤسسة «عامل». كما شارك في الزيارة قاسم عينا، منسق نشاطات لجنة «كي لا ننسى صبرا وشاتيلا وحق العودة» في لبنان ورئيس جمعية أطفال الصمود، والصحافي الباحث المتخصص في العدالة الجنائية وحقوق الانسان د.عمر نشابة، والحاج نزيه البقاعي .
ورحب مهنا بالوفد، مثمناً إصرار أعضائه على زيارة لبنان في هذه المرحلة الدقيقة، ومعتبراً أن «الحضور في زمن الخطر أبلغ من ألف بيان تضامن»، وأن رفض ترك شعب وحيداً في مواجهة الحرب والتهجير هو، في جوهره، دفاع عن القيم الإنسانية المشتركة.
وقال مهنا: «تأتي زيارتكم اليوم فيما يتعرض لبنان لعدوان متواصل، وفيما يعيش أهلنا في الجنوب تحت وطأة القتل والتدمير والتهجير، لتؤكد أن الذاكرة ليست طقساً سنوياً، وأن عبارة “كي لا ننسى” ليست شعاراً عن الماضي، بل مسؤولية تجاه الحاضر. نحن نتذكر صبرا وشاتيلا لا لكي نبقى أسرى المأساة، بل لكي نمنع تكرارها، ولكي نقف في وجه كل محاولة لتطبيع قتل المدنيين وتدمير المنازل والمستشفيات والمدارس وتهجير السكان من أرضهم».
وأضاف: «من صبرا وشاتيلا إلى غزة وجنوب لبنان، تتغير السنوات والأماكن، لكن السؤال الأخلاقي يبقى واحداً: أين يقف الإنسان حين يصبح الحق أعزل أمام القوة؟ إن أحد أخطر ما نواجهه اليوم، إلى جانب العدوان نفسه، هو اعتياد العالم عليه؛ أن تتحول مشاهد الموت والدمار إلى خبر يومي، وأن يفقد القانون الدولي صدقيته حين يُطبّق بصورة انتقائية. لذلك فإن وجودكم هنا هو موقف ضد النسيان واللامبالاة، ورسالة بأن في العالم من لا يزال يرفض أن تصبح القوة بديلاً عن الحق».
وشدد مهنا على أن ما يتعرض له لبنان يأتي في سياق إقليمي أوسع يتداخل فيه استمرار الاحتلال والنزاع المسلح والانتهاكات بحق المدنيين مع ضعف آليات المساءلة، مؤكداً أن مؤسسة عامل، التي انطلقت عام 1979 في خضم الحرب والاجتياحات واختارت منذ تأسيسها الوقوف إلى جانب الإنسان بمعزل عن هويته أو انتمائه، ستواصل حضورها وعملها في المناطق الأكثر تضرراً، ولن تتراجع عن دورها الصحي والاجتماعي والإنساني مهما اشتدت الظروف.
وأكد أن «عامل» تنظر إلى العمل الإنساني باعتباره التزاماً بالعدالة والكرامة الإنسانية، وليس مجرد استجابة للنتائج المترتبة على الحروب والأزمات. وقال: «لا يكفي أن نضمد جراح ضحايا الحرب ثم نصمت عن الظروف والانتهاكات التي أدت إليها. فالعمل الإنساني الذي ينفصل عن مبادئ الكرامة والعدالة والحقوق يخاطر بأن يتحول إلى مجرد إدارة للمأساة. نحن نريد عملاً إنسانياً يقف إلى جانب الإنسان وحقه في الحياة والحرية والكرامة، ويدافع عن حقوق الشعوب في العيش بأمان على أرضها، وينتصر للحق والقانون في مواجهة منطق القوة».
من جهته، أكد قاسم عينا أهمية استمرار هذه الزيارات في مرحلة تشهد فيها المنطقة محاولات لطمس الذاكرة وتهميش القضية الفلسطينية، مشدداً على أن الحفاظ على ذاكرة صبرا وشاتيلا ليس استعادة للماضي فحسب، وإنما مسؤولية تجاه الحاضر والأجيال المقبلة، واستمرار للنضال من أجل العدالة وحق العودة وصون حقوق الشعب الفلسطيني.
وأكد الصحافي والباحث المتخصص في العدالة الجنائية وحقوق الإنسان الدكتور عمر نشابة أن إحياء ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا لا يكتمل من دون مواصلة السعي إلى الحقيقة والعدالة والمساءلة، محذراً من أن الإفلات من العقاب لا يطوي الجرائم، بل يهيئ الظروف لتكرارها. وقال: «ما نشهده اليوم في فلسطين ولبنان يثبت أن غياب المحاسبة عن الجرائم السابقة لم يكن إخفاقاً قانونياً عابراً، بل عاملاً ساهم في استمرار الانتهاكات واتساع نطاقها. فالعدالة الجنائية ليست انتقاماً، وإنما وسيلة لحماية المجتمعات ومنع تكرار الجرائم وصون حقوق الضحايا وكرامتهم».
ورحّب الحاج نزيه البقاعي بأعضاء الوفد، مثمناً حضورهم إلى لبنان في هذه الظروف الصعبة، ومؤكداً أن التضامن الحقيقي يظهر عندما يختار الأصدقاء الاقتراب من معاناة الناس والوقوف إلى جانبهم في زمن الخطر. وقال: «إن زيارة الوفد اليوم تحمل إلى اللبنانيين والفلسطينيين رسالة واضحة مفادها أنهم ليسوا وحدهم، وأن هناك في العالم من لا يزال يحمل قضاياهم في ضميره، ويرفض الصمت على ما يتعرضون له من قتل وتهجير وتدمير».
بدورهم، عبّر فلافيو نوفارا وبسام صالح وأعضاء الوفد عن تضامنهم مع الشعبين اللبناني والفلسطيني، مؤكدين أن حضورهم إلى لبنان في ظل الظروف الراهنة يشكل امتداداً لالتزام اللجنة التاريخي تجاه ضحايا صبرا وشاتيلا والقضية الفلسطينية، ورسالة تضامن مع المدنيين المتضررين من الاحتلال والحرب والتهجير.
كما أكد أعضاء الوفد مسؤوليتهم في نقل ما يشاهدونه وما يستمعون إليه خلال زيارتهم إلى الرأي العام الأوروبي، والعمل على مواجهة الصمت واللامبالاة وتعزيز التضامن الدولي مع حقوق شعوب المنطقة، ومع المدنيين الذين يتحملون الكلفة الأكبر للنزاعات والحروب.
وتكتسب زيارة الوفد هذا العام أهمية خاصة بالنسبة إلى مؤسسة عامل الدولية، التي نسجت على مدى عقود شراكات مع حركات التضامن والمؤسسات الإنسانية والمدنية في أوروبا والعالم، انطلاقاً من رؤيتها الداعية إلى بناء حركة تضامن عالمية تربط بين قضايا الشعوب وتعيد التأكيد على الدور الحقوقي والأخلاقي للعمل الإنساني، بعيداً عن الانتقائية وازدواجية المعايير.
وأكدت المؤسسة أن شعار «كي لا ننسى» لا يعني اليوم حفظ أسماء الضحايا في الذاكرة فحسب، وإنما العمل من أجل منع وقوع ضحايا جدد؛ وأن الوفاء لضحايا صبرا وشاتيلا ولكل ضحايا الحروب والمجازر يتجسد في حماية الإنسان قبل أن يصبح رقماً، والدفاع عن منزله قبل أن يتحول إلى ركام، وعن حقوقه قبل أن تصبح مجرد ذكرى.
واختتم مهنا بالقول: «قد تستطيع القوة أن تهدم بيتاً، وأن تحتل أرضاً، وأن تقتل إنساناً، لكنها لا تستطيع أن تمحو قضية عادلة ما دام هناك من يحمل ذاكرتها ويدافع عنها. لهذا نحن هنا، ولهذا أنتم هنا: كي لا ننسى، وكي لا يصبح الصمت شريكاً في الجريمة، وكي يبقى الحق والقانون والكرامة الإنسانية أقوى من محاولات طمسها».
رخصة المشاع الإبداعي المنسوبة 4.0 الدولية