مهنا: القانون الدولي يجب أن يحمي الشعوب وألا يبقى صامتًا أمام انتهاكات حقوقها
زار سفير فرنسا لدى لبنان، هيرفيه ماغرو، مركز مؤسسة عامل الدولية للرعاية الصحية الأولية في قضاء صور، يرافقه وفد من السفارة الفرنسية والوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) ومنظمة الإغاثة الأولية الدولية، في زيارة أكدت متانة الشراكة الفرنسية–اللبنانية في دعم القطاع الصحي وتعزيز صمود المجتمعات المحلية، والاطلاع على نتائج مشروع SAQIRH الهادف إلى تعزيز الوصول إلى نظام صحي شامل وعالي الجودة وقادر على الصمود.
وشارك في الزيارة السفير خليل كرم ممثلًا جمعية جوقة الشرف اللبنانية، والوزير السابق موريس الصحناوي، عضو الهيئة الإدارية في الجمعية، حيث كان في استقبال الوفد رئيس مؤسسة عامل الدولية الدكتور كامل مهنا، ومدير المؤسسة الدكتور أحمد عبود، وعضو الهيئة الإدارية ومديرة البرامج الدكتورة زينة مهنا، وعضو الهيئة الإدارية الدكتور درويش شغري، والسيد مرتضى مهنا ممثلًا إدارة الكوارث، إلى جانب ممثلين عن السلطات المحلية، وفريق مؤسسة عامل من إدارة البرامج والمركز والعيادة الطبية النقالة.
ولم تكن الزيارة إلى مركز صحي فحسب، بل إلى مساحة تختصر أكثر من أربعة عقود من الالتزام بالإنسان. فمنذ تأسيسه عام 1984، في خضم الحرب الأهلية اللبنانية، شكّل مركز عامل في صور ملاذًا لعشرات الآلاف من أبناء المنطقة، ورافقهم في أصعب المراحل، من الاحتلال والاعتداءات والحروب المتعاقبة، وصولًا إلى العدوان الأخير على جنوب لبنان. وعلى امتداد هذه العقود، لم يتوقف المركز عن أداء رسالته، بل بقي حاضرًا حيث تكون الحاجة أكبر، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن الرعاية الصحية حق أساسي، وأن الكرامة الإنسانية لا تعرف حدودًا أو تمييزًا.
وخلال العدوان الأخير، اضطر المركز إلى إغلاق أبوابه مؤقتًا تنفيذًا لأوامر الإخلاء، بعد تعرضه لأضرار جزئية، إلا أن ذلك لم يوقف رسالته. فقد واصلت فرق مؤسسة عامل تقديم الخدمات الصحية والإنسانية في المناطق المحيطة، متنقلة بين القرى ومراكز النزوح، رافضة التخلي عن الناس في أكثر لحظاتهم صعوبة. وما إن دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ حتى باشرت المؤسسة أعمال إعادة تأهيل المركز، ليعود إلى استقبال المستفيدين واستئناف خدماته وبرامجه بالكامل، في تجسيد لإصرار عامل على البقاء إلى جانب الناس مهما اشتدت الأزمات.
ويُعد المركز، المنضوي ضمن شبكة وزارة الصحة العامة والمدعوم من الحكومة الفرنسية والوكالة الفرنسية للتنمية، أحد المراكز المرجعية في المنطقة. فهو يقدم خدمات الرعاية الصحية الأولية، والاستشارات الطبية المتخصصة، والفحوص المخبرية، وخدمات الصحة النفسية، والحماية، والوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، والتوعية المجتمعية، إلى جانب عيادة طبية نقالة تجوب قرى قضاء صور والمناطق الطرفية للوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة. ويوفر المركز نحو ألف استشارة طبية شهريًا، فيما تقدم العيادة النقالة أكثر من ألف ومئة استشارة إضافية، في إطار رؤية مؤسسة عامل القائمة على إيصال الخدمات إلى الناس أينما كانوا.
وخلال الجولة، استمع الوفد إلى عرض حول آثار الحرب الأخيرة على أبناء الجنوب والمنشآت الصحية، والدور الذي أداه المركز ضمن الاستجابة الطارئة، بعدما صنفته وزارة الصحة العامة مركزًا صحيًا مرجعيًا للطوارئ. كما اطلع على مساهمة فرق مؤسسة عامل الطبية في ضمان استمرارية الخدمات الصحية للسكان والنازحين رغم المخاطر والاستهدافات المتكررة.
وأكد السفير الفرنسي أن فرنسا تقف إلى جانب لبنان وشعبه في هذه المرحلة الدقيقة، مجددًا التزام بلاده بدعم حق جميع السكان في الوصول إلى الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الصحة والرعاية الصحية. كما أعرب عن تقديره للدور الذي تؤديه مؤسسة عامل وشركاؤها المحليون في حماية الفئات الأكثر هشاشة، مثمنًا التزام فرقها التي واصلت أداء واجبها رغم الظروف الاستثنائية التي شهدها الجنوب.
من جهته، شدد الدكتور كامل مهنا على أن إعادة إعمار الحجر لا يمكن أن تكتمل من دون إعادة الاعتبار للإنسان وللقانون الدولي، مؤكدًا أن التعافي الحقيقي يبدأ بوقف الاحتلال الإسرائيلي واعتداءاته المتواصلة، وتمكين أبناء الجنوب من العودة الآمنة إلى قراهم، وضمان حقهم في العيش بكرامة وأمان على أرضهم.
وقال: “لقد أثبت أهل الجنوب، كما أثبت العاملون في مؤسسة عامل، أن الإنسان قادر على الانتصار على الخوف عندما يحمل رسالة. وما نحتاجه اليوم ليس فقط إعادة إعمار المباني، بل إعادة بناء الثقة بالعدالة الدولية، واستعادة معنى القانون الدولي الذي يجب أن يحمي الشعوب، وألا يبقى صامتًا أمام انتهاكات حقوقها.”
وأضاف أن مؤسسة عامل، ومنذ تأسيسها عام 1979، انطلقت من قناعة راسخة بأن التضامن ليس فعل إحسان، بل شراكة مع الناس في الدفاع عن حقوقهم وكرامتهم، وأن التنمية الحقيقية لا تُبنى من أعلى، بل تنطلق من المجتمعات نفسها، ومن الاستثمار في الإنسان بوصفه صانعًا للتغيير. وأكد أن المؤسسة ستواصل الوقوف إلى جانب اللبنانيين وكل من يحتاج إليها، مهما بلغت التحديات.
واختُتمت الزيارة بجولة في مختلف أقسام المركز ولقاءات مع الفريق الطبي والعاملين، الذين شكّلوا، على امتداد سنوات طويلة، نموذجًا للصمود الإنساني والعمل الميداني، مؤكدين أن الرسالة التي حملتها مؤسسة عامل منذ أكثر من أربعة عقود بقيت أقوى من الحروب، وأن حماية كرامة الإنسان ستظل بوصلتها الأولى، مهما تبدلت الظروف.
رخصة المشاع الإبداعي المنسوبة 4.0 الدولية