تقرير جديد يكشف الآثار البيئية للحرب على جنوب لبنان: ارتفاع مستويات المعادن الثقيلة الناتجة عن الأنشطة العسكرية في التربة

Share

منظمة Source International وعامل ايطاليا ومؤسسة عامل الدولية ينشرون نتائج أول حملة رصد تجريبية أُجريت في إطار مشروع “ترابنا– جنوب” لرصد التربة في قضائي النبطية ومرجعيون في جنوب لبنان.

– بعد مرور ما يقارب العامين على بداية التصعيد العسكري ضد جنوب لبنان، تُصدر كلٌّ من Source International وعامل ايطاليا ومؤسسة عامل الدولية التقرير التقني بعنوان “إرث النزاع في تربة جنوب لبنان”، الذي يعرض نتائج أول حملة لرصد التربة نُفّذت ضمن مشروع “ترابنا– جنوب لرصد التربة”. وإلى جانب التقرير التقني، تنشر المنظمات الشريكة أيضاً نتائج 122 مقابلة وثلاث مجموعات نقاش مركّزة أُجريت مع المزارعين وأبناء المجتمعات المحلية.

التقرير

يمكن الاطلاع على التقرير الكامل عبر الرابط التالي:

LEGACY OF CONFLICT IN SOUTH LEBANON’S SOILS 2026

كما يمكن الاطلاع على ورقة المعلومات التي تتضمن أبرز النتائج عبر الرابط المخصص لذلك.

أُجريت الحملة في آب 2025 في محافظة النبطية، إحدى المناطق الأكثر تضررًا من الهجمات التي بدأت في تشرين الأول 2023. وقد سُجل أكثر من 8500 هجوم في المنطقة، شملت عمليات قصف وغارات جوية و247 حادثة يُشتبه باستخدام الفوسفور الأبيض فيها حتى تشرين الثاني 2024. كما أسفر النزاع عن سقوط ما يقارب 4000 ضحية ونزوح أكثر من 1.2 مليون شخص، فيما تسببت العمليات العسكرية بأضرار جسيمة للنظم البيئية، مع احتراق أكثر من 2200 هكتار من الغابات والأراضي الزراعية.

ينطلق المشروع من المخاوف التي عبّر عنها المزارعون والسكان والمجتمعات المحلية بشأن الآثار طويلة الأمد للحرب على جودة التربة، والأمن الغذائي، والإنتاجية الزراعية.

ونظراً لغياب معايير وطنية محدّدة لجودة التربة، يقارن التقرير نتائج حملة عام 2025 بعينات تاريخية جُمعت من المنطقة ذاتها في عام 2001، وبالقيم المرجعية الدولية. وقد تضمّنت حملة الرصد أخذ عينات ميدانية من التربة وتحليلها مخبرياً في مواقع متعددة متضررة، باستخدام منهجيات تقييم بيئي معتمدة دولياً. ويهدف التقرير إلى توفير قاعدة علمية مستقلة أولية لتقييم ما إذا كان النزاع قد ترك أثراً كيميائياً في تربة جنوب لبنان، ومدى هذا الأثر.

ركّزت التحليلات على بعض أبرز الملوّثات المرتبطة بسياقات النزاع: المعادن الثقيلة المرتبطة باستخدام الذخائر والمتفجرات؛ والمؤشرات غير المباشرة لاستخدام الفوسفور الأبيض، بما فيها إجمالي الفوسفور ودرجة حموضة التربة (pH)؛ واليورانيوم بوصفه مؤشراً للكشف عن أي إشارات محتملة تتوافق مع استخدام اليورانيوم المنضّب.

أبرز النتائج

تكشف الدراسة عن ارتفاع ملحوظ في المعادن الثقيلة المرتبطة مباشرة باستخدام الأسلحة والذخائر. فبين عامي 2001 و2025، سُجّل ارتفاع ذو دلالة إحصائية في مستويات الرصاص والأنتيمون والنحاس والزنك في التربة المأخوذة من قضائي مرجعيون والنبطية، وهي عناصر تُعتبر في الأدبيات العلمية بصمات نموذجية للأنشطة العسكرية، نظرًا لوجودها في الرصاصات، وأغلفة الذخائر، وشظايا القذائف، وغيرها من المخلفات الحربية.

 

 

وعلى المستوى الإقليمي، كانت الزيادة المتوسطة المسجّلة معتدلة عمومًا، إلا أن المؤشرات كانت واضحة؛ إذ ارتفعت التركيزات الوسيطة مقارنة بعينات عام 2001 بمعدل:

1.5 مرة للرصاص

3.6 مرات للأنتيمون

2.5 مرة للنحاس

2.6 مرة للزنك

أما في المواقع التي أمكن مقارنتها مباشرة بين عامي 2001 و2025، فقد كانت الزيادات أكثر حدة، إذ بلغ متوسط الارتفاع:

4 مرات للرصاص

4.6 مرات للأنتيمون

4.4 مرات للنحاس

5.3 مرات للزنك

وتتجلّى الصورة الأكثر إثارة للقلق في نقاط التلوّث الأكثر خطورة المحدّدة، حيث تتجاوز التركيزات بوضوح القيم التاريخية والقيم المرجعية الدولية على حدٍّ سواء. وقد رُصدت الحالة الأكثر وضوحاً في بلدة حولا في قضاء مرجعيون، إحدى أكثر القرى التي زارتها الحملة دماراً: إذ بلغ تركيز الأنتيمون في هذا الموقع نحو 500 ضعف القيمة الوسيطة لعام 2001، بينما تجاوز الرصاص القيمة التحذيرية الألمانية. كما رُصدت نقاط فيها خطورة عالية أخرى بالقرب من منازل مقصوفة، تميّزت بتركيزات مرتفعة من الرصاص والنحاس والزنك والأنتيمون.

وبناءً عليه، يصف التقرير التلوث على مستويين:

  • تدهور واسع النطاق في جودة التربة ضمن المنطقة المدروسة.
  • مواقع محلية ذات تركيزات مرتفعة جدًا تستوجب تحقيقات متخصصة وأولوية في المعالجة.

ويتوافق هذا النمط مع ما تم توثيقه في مناطق أخرى شهدت نزاعات، حيث تساهم الانفجارات والغبار والشظايا المعدنية ومخلّفات الذخائر في تلوث التربة مع مرور الوقت.

ومن بين العناصر المكتشفة، يُعد الرصاص من أبرز مصادر القلق بسبب سُميته العالية واستمراره الطويل في البيئة. كما تستدعي مستويات الزرنيخ والكادميوم، التي تبيّن أيضًا ارتفاعها في عام 2025 مقارنة بعام 2001، اهتمامًا خاصًا نظرًا لما قد تسببه من آثار على صحة الإنسان والنظم البيئية.

وتؤكد هذه النتائج أن الآثار البيئية للحروب لا تنتهي بانتهاء الأعمال العدائية، بل قد تستمر في التربة والأراضي الزراعية والأماكن التي تحاول المجتمعات العودة إليها للعيش والعمل. ولهذا يشدد التقرير على ضرورة مواصلة عمليات الرصد، وتعميق التحاليل في المواقع الأكثر تلوثًا، ودمج التقييمات البيئية ضمن عمليات إعادة الإعمار بعد النزاعات.

الدمار البيئي في جنوب لبنان يهدّد الصحة العامة

وفي تصريحات رافقت إصدار التقرير، شدّد فلافيانو بيانكيني، مدير Source International والمنسّق العلمي للمشروع، على أن القانون الدولي الإنساني يقوم على مبدأ أساسي مفاده أن حياة المدنيين يجب أن تكون قادرة على استئناف طبيعتها فور انتهاء الأعمال العدائية. إلا أنه حذّر من أن ذلك يصبح مستحيلاً عندما تكون البيئة نفسها قد تعرّضت للدمار، والأراضي الزراعية للتلوث، ومصادر المياه للتلوث أو التدمير. وفي معرض حديثه عن الوضع في جنوب لبنان، أشار إلى أنه رغم تشجيع أكثر من مليون شخص على العودة إلى منازلهم وأراضيهم الزراعية، فإن العديد من هذه المناطق لم تعد صالحة للزراعة أو آمنة للسكن. كما نبّه إلى أن الآثار البيئية للتلوث قد تستمر لعقود، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة على الصحة العامة والزراعة والتعافي طويل الأمد للمجتمعات المتضررة.

من جهته، وصف روبرتو رينينو، رئيس Amel Italia ومنسّق المشروع، الدمار الذي شهدته قرى جنوب لبنان بأنه دليل على عنف عشوائي، مشيراً إلى تدمير قرى بأكملها، واقتلاع الأشجار، وتخريب البنى التحتية، والأضرار الواسعة التي لحقت بالأرياف. كما دان استخدام ذخائر حارقة محظورة دولياً، بما فيها الفوسفور الأبيض، معتبراً أن هذه الممارسات ساهمت في خلق ظروف «الأرض المحروقة» التي جعلت مناطق بأكملها غير قابلة للحياة واستهدفت بشكل جماعي السكان المدنيين وسبل عيشهم. وأكد أن التدمير المنهجي للنظم البيئية، إلى جانب الدمار الفوري والنزوح، يهدد الأمن الغذائي والسيادة الغذائية في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة كبيرة بفعل تغيّر المناخ. وأضاف أن المساءلة عن الآثار البيئية والإنسانية لهذه الأفعال لا تزال التزاماً لم يعالجه المجتمع الدولي بالشكل الكافي رغم وفرة الأدلة المتاحة.

أما الدكتورة زينة محنا، منسقة الشراكات والبرامج، فأكدت أن نتائج التقرير أثبتت وجود مواد محظورة دولياً من خلال رصد تركيزات مرتفعة من المعادن الثقيلة المرتبطة مباشرة بالحروب، محذّرة من أن ذلك يرقى إلى مستوى «الإبادة البيئية». وأعربت عن قلقها العميق إزاء التداعيات الصحية طويلة الأمد، بما في ذلك تزايد الأمراض التنفسية وارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان، مشيرة إلى أن ما لا يقل عن 75% من المزارعين في المناطق المتضررة فقدوا مصادر رزقهم لسنوات مقبلة. ووصفت الوضع بأنه كارثي، مؤكدة الحاجة الملحّة إلى معالجة بيئية شاملة واستمرار الاهتمام الدولي بهذه القضية.

نبذة عن الجهات المشاركة

Source International

منظمة غير ربحية تأسست في إيطاليا عام 2012 لدعم المجتمعات المتضررة من التلوث الصناعي والاستخراجي عبر توفير أدلة علمية مستقلة. وتعمل استجابة لطلبات المجتمعات المحلية من خلال تقديم الدعم التقني والعلمي والتحليلات القانونية والتدريب، بهدف تحويل البيانات إلى تغييرات ملموسة تشمل الإصلاحات والمعالجات والاعتراف الرسمي بالأزمات البيئية والصحية.

عامل ايطاليا

جمعية غير ربحية مقرها إيطاليا، تعمل في ميدان الدمج بين العدالة البيئية والعمل المناخي والاستجابة الإنسانية. وتعتمد المنظمة نهجًا قائمًا على البيانات ويركز على المجتمعات المحلية، من خلال تزويد الأفراد والمجموعات بالأدوات والتدريبات اللازمة للمشاركة المباشرة في العمل المناخي، استنادًا إلى مبادئ مناهضة الاستعمار والابتكار وحشد المناصرة الشعبية.

 

مؤسسة عامل الدولية

جمعية مدنية غير طائفية تأسست عام 1979 بقيادة الدكتور كامل مهنا ومجموعة من الأطباء والصحافيين والناشطين، استجابةً لفظائع الحرب الأهلية اللبنانية والاعتداءات على جنوب لبنان. وعلى مدى أكثر من 45 عامًا، وبقيادة أكثر من 1500 موظف وموظفة، تواصل “عامل” أداء واجبها عبر 40 مركزًا و10 وحدات طبية متنقلة ووحدتين متنقلتين للتعليم ووحدتين للحماية في أكثر المناطق اللبنانية تهميشًا.

 

 

Amel.org
Amel.orghttps://amel.org/
Amel Association International is a social movement for reform, human dignity, access to fundamental human rights, and social justice. Established in 1979 and recognized as a public utility by presidential decree 5832 in 1994, this Lebanese non-sectarian NGO is present in 10 countries.

اقرأ المزيد

اكتشف المزيد من القصص